الشيخ عبد الغني النابلسي
93
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ونخفض بخفضه ، ونرتفع برفعه ، ونتضرر بضره ، وننتفع بنفعه ، ونفوز بعطائه ، ونحرم بمنعه ، ونحيا بإحيائه ، ونموت بإماتته ، إلى غير ذلك من باقي أوصافه تعالى المتقابلة . ( و ) كذلك جميع ما ( يسمى به ) تعالى من المعز ، والمذل ، والخافض ، والرافع ، والضار ، والنافع ، والمعطي ، والمانع ، والمحيي ، والمميت إلى آخره من المتقابلات . ( فعبر ) ، أي عبر اللّه تعالى بمعنى كنا ( عن هاتين الصفتين ) المتقابلتين والاسمين المتقابلين في القرآن العظيم ( باليدين اللتين توجهتا منه ) سبحانه وتعالى ( على خلق ) هذا ( الإنسان الكامل ) الذي هو آدم وبنوه إلى يوم القيامة ، فاليد اليمنى ، هي ما يلائمه من ذلك كالإعزاز والمعز ، والرفع والرافع ، والنفع والنافع ، والعطاء والمعطي ، والإحياء والمحيي . واليد الشمال : ما لا يلائمه من ذلك كالإذلال والمذل والخفض والخافض والضر والضار والمنع والمانع والإماتة والمميت إلى آخره . فالمؤمنون غلبت عليهم اليد اليمنى فهم أهل اليمين والكافرون غلبت عليهم اليد الشمال فهم أهل الشمال ، والمنافقون تذبذبوا بين اليدين ولم يتمسكوا بواحدة منهما فسقطوا منهما فوقعوا تحت المؤمنين وتحت الكافرين فكانوا في الدرك الأسفل من النار ، ثم إن آدم عليه السلام لما خلقه اللّه تعالى باليدين معا كما قال تعالى في عتاب إبليس عن امتناعه عن السجود : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] جمع في ذريته لهذه الأنواع الثلاثة : المؤمنين والكافرين والمنافقين ( لكونه ) ، أي الإنسان الكامل ( الجامع ) دون غيره من بقية العالم ما عدا جملة العالم ، فإنه جامع كذلك ( لحقائق العالم ) الروحاني الجسماني ( و ) جميع ( مفرداته ) من الأشخاص الجزئية . * * * فالعالم شهادة والخليفة غيب ، ولهذا يحجب السّلطان . ووصف الحقّ نفسه بالحجب الظّلمانيّة وهي الأجسام الطّبيعيّة الكثيفة ؛ والنّوريّة وهي الأرواح اللطيفة والعقول والنّفوس وعالم الأمر والإبداع . فالعالم بين كثيف ولطيف ، فلا يدرك الحقّ إدراكه نفسه . فلا يزال في حجاب لا يرفع ، مع علمه بأنّه متميّز عن موجده بافتقاره إليه ، ولكن لا حظّ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق ، فلا يدركه أبدا ، فلا يزال الحقّ من هذه الحيثيّة غير معلوم علم ذوق وشهود ، لأنّه لا قدم للحادث في ذلك .